أساسيّات الفن التجريديّ
يستعرض المقال مفهوم الفن التجريدي وأدواته الأساسية من لون وخط، مع تقديم نصائح عملية للمبتدئين حول كيفيّة تحويل المشاعر إلى لوحات فنية بعيداً عن قيود الواقع.
الفن التجريديّ يُعد أحد أهم التحولات الجوهرية في تاريخ الفنون البصرية؛ إذ انتقل بالعمل الفني من حيز "المحاكاة" والتمثيل الواقعي للأشياء، إلى فضاء "التعبير الصرف" عن القيم والمفاهيم عبر عناصر بصرية مجردة، فهو لا يسعى لنقل مرئيات العالم الخارجي، بقدر ما يهدف إلى صياغة لغة عالمية تتخذ من اللون، والخط، والشكل أدواتٍ رئيسية لبناء تكوين جمالي متكامل.
يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل شامل لأهم أساسيات الفن التجريدي، بدءاً من فهم الخامة والملمس، وصولاً إلى كيفية توظيف الفراغ والمساحة، لتزويد الباحث والفنان بالمرجعيات اللازمة لتقدير هذا الفن أو ممارسته على أسس منهجية رصينة.
ما المقصود بالفن التجريديّ؟
الفن التجريديّ هو فن من الفنون الإبداعيّة، يعتمد على بساطة الأشكال والألوان وأدوات الإيماء في إحداث أثره كنوع من أنواع الفنون التي تمتلك طابعًا معنويًا ومُنظمًا ونقيًا ويبتعد هذا النّوع من الفنون عن الوصف الدقيق لواقعيّة الأشياء أو طبيعتها ويشتهر بأسماء مختلفة مثل الفن غير الموضوعيّ، والفن الملموس، وهي لا تصف كائنًا مُعيًنا أو مكانًا ما فما يراه النّاظر ما هو إلّا لون العمل الفنيّ وحجمه والأشكال المُستخدمة لرسمه وما يحويه من آثار ضربات الفُرشاة.
أنواع الفنّ التجريديّ
- الفن التجريديّ الإنحنائي: يكون الطابع العام لهذا النوع هو احتواء العمل الفنيّ على الخطوط المُنحنية التي تُستخدم لرسم مجموعة من الأنماط المُختلفة مثل الدوّامات والدوائر والأنماط اللولبيّة ويظهر ذلك واضحًا عند استخدامها في رسم الوجوه البشريّة ومّما يُلاحظ في هذا النوع أنّه لا يحتوب على خطوط مُستقيمة أو زاوية قائمة إطلاقًا ويشتهر استخدامه كأحد الأنماط الفنيّة في الفنون الموجودة في منطقة خليج بابوا.
- الفن التجريدي المُرتبط بالألوان أو الضوء: يتميّز هذا النوع من الفنون بوجود دوّامات من الصبغات اللونيّة التي تجعل النّاطر للعمل الفنّي غير قادر على تميزه جيدًا ويظهر هذا النوع في الأعمال الفنيّة للفنّان أوسكار كلود مونيه خاصةً في سلسلة لوحاته الشهيرة التي سمّاها زنابق الماء.
- الفن التجريديّ الهندسيّ: تعود تسمية هذا النوع من الفنون إلى استخدام الفنّان للأشكال الهندسيّة على اختلافها مثل المُربّعات والمُثلّثات والمُستطيلات والدوائر ونتيجةً لذلك يكون العمل الفنيّ بعيدًا عن تصوير واقعيّة الأشياء كما هي فهو يقوم على رسم ثنائيّ الأبعاد للأشياء على عكس ما كان يُستخدم سابقًا في عصر النهضة من الرسم على أساس المنظور لإبراز الأشياء أكثر واقعيّة.
- الفن التجريدي الإيمائيّ: هذا النوع يعتمد على الطريقة التي تُرسم بها اللوحة دون الإهتمام بموضوعها وعلى اختلاف انواع الفنون الأخرى غير التجريديّة التي تعتمد نهجًا في كيفيّة طلاء اللوحات الفنيّة، فالفن التجريديّ الإيمائيّ يعتمد على الحدس والمشاعر العميقة.
- الفن التجريديّ البسيط: ظهر هذا النوع من الفنون بعد ظهور الفن التجريديّ الهندسي فتمَّ استخدام الأشكال الهندسيّة في هذا النوع بشكلٍ مُبسّط أكثر مّما تمَّ استخدامه في التجريد الهندسيّ، وعلى عكسه فقد تمَّ استخدام الرسم ثلاثيّ الأبعاد فكان المُهم أن يكون أساس العمل الفني البساطة البالغة.
مزايا الفن التجريديّ
- تشخيص الظواهر النفسيّة دون تمثيلها: أيّ عدم العودة إلى الأشكال التي تمّت معرفتها إنّما الإعتماد على ما يصدر من الروح الإنسانيّة بشكلٍ مُطلق بالإضافة إلى الإستناد إلى ما هو وراء الأمر الواقعيّ وبقي الإععتماد على ذلك حتّى وصل الفن التجريديّ إلى كونه فن الواقع.
- يعتمد على العناصر التعبيريّة التصويريّة: أي بمعنى آخر الإعتماد على التعابير التحليلية التي ترتبط بكلّ ما هو وراء الطبيعة أو ممّا يصعب فهمه بسبب العمق الذي فيها أو ممّا يتعلّق في إظهار العاطفة بشكلٍ أكثر وضوحًا ومُباشرة من خلال التعبير بإشاراتٍ محسوسة أو دلالات ورموز تظهر من خلال الخطوط والألوان والأحجام مما لا يُخلّ بالأصل.
- يُعتبر من الأساليب الفنيّة التي استوعبت الاتجاه العقليّ والعاطفي: يشمل الاتجاه العقلي القاعدة والنظام والتناغم والبناء أمّا العاطفي فهو يُعتبر الجانب الرّوحي إذ يُعد الفن التجريدي من الفنون التي قد حققت توازنًا بين العقل والخيال بشكلٍ يبتعد عن التقليد مع احتواء أي تجديد يدعم التشكيل وهذا يتمثّل بوجود تفسير عقليّ للتطوّرات الفنيّة التي بدورها توجِد توازن بين الشعور الداخليّ للفنان وما يرسمه بيده من أشكال مجرّدة.
خصائص الفنّ التجريديّ
- حريّة تمثيل الأشياء والمشاهد بعيدًا عن الواقع دون الحاجة إلى توضيح مفهوم حقيقي.
- تستخدم فيه ألوان متناقضة وعشوائيّة بضربات تتفاوت في النسب والأشكال.
- يُعبّر فيه بطريقة ذاتيّة وعفوية وبالتالي يُصبح من الفنون الغامضة.
- ابتكار واقع جديد غير تمثيليّ مُستقل عن الطبيعة والمنطق.
- في هذا الفن يتم التعبير عن الأمور النفسيّة لكن دون تمثيلها.
نشأة الفن التجريديّ
تعود نشأة الفن التجريديّ إلى ما رُسم في العصور القديمة على الصّخور والفخّار إلّا أنَّ فكرة القيام بعملٍ فنيّ يعتمد على البساطة في تصوير المرئيّات ظهرت في القرن التاسع عشر الميلاديّ عند الفنّانين أصحاب الحركات الإنطباعيّة والتعبيريّة، فظهرت الأعمال الفنيّة التي تشرح قصّة ما كما ظهر الفنانون الذين درسوا الإدراك البصريّ للضوء بالإضافة إلى ظهور الأفكار التي تبعتد عن التقليد والمثاليّة والأفكار التي تدعو للخيال كأحد أهمّ عوامل الإبداع وفي عام 1890 أشار الفنّان موريس دينيس إلى أنّه من الضروري التذكّر أنَّ الصورة قبل أن تكون قصة أو حصانًا أو أيّ شيء آخر هي في الأصل عبارة عن سطح مستوٍ يحتوي على مجموعة من الألوان المُرتبّة بطريقة مُعيّنة.