جابر بن حيّان: مؤسس علم الكيمياء
يتناول المقال إسهامات جابر بن حيّان الجوهرية في وضع أسس المنهج التجريبي، وتطوير العمليات الكيميائية المخبرية، وأثره البارز في تطور العلوم الطبيعية عالمياً.
لا يمكن الحديث عن تاريخ العلوم الطبيعية دون التوقف طويلاً عند إسهامات العالم العربي جابر بن حيان؛ الرجل الذي نُقلت الكيمياء على يديه من "خرافات القدماء" إلى "حقائق المختبر" فبينما كانت الكيمياء قديماً تعتمد على التكهنات، أرسى ابن حيان مبدأً ذهبياً في العلم يقول: "من كان درباً كان عالماً حقاً، ومن لم يكن درباً لم يكن عالماً"، والمقصود بـ "الدربة" هنا هي التجربة العملية التي أصبحت اليوم أساس البحث العلمي الحديث.
في هذا المقال، سنستعرض بأسلوب علمي مبسط مسيرة هذا العالم الفذ، وأبرز المواد والعمليات التي استحدثها، وكيف ساهمت مؤلفاته في وضع حجر الأساس للنهضة العلمية التي نعيشها اليوم.
من هو جابر بن حيّان؟
جابر بن حيّان هو أبو موسى جابر بن حيّان المعروف "بأبي الكيمياء العربيّة" وهو عالم عربيّ مُسلم وُلد في عام 721 وقد اختلفت الروايات على تحديد مكان مولده فمن المؤرخين من يقول بأنّه من مواليد الجزيرة على الفرات شرق بلاد الشام ومنهم من يقول بأنَّ أصله من مدينة حران في بلاد ما بين النهرين، أمّا عن لقبه فيُنسب لقب أبي الكيمياء في العديد من المراجع العلميّة إلى العالم جابر بن حيّان وهو أحد الخيارات الأكثر شيوعًا وشعبيةً بحيث تمَّ الإعتماد على دراساته وتطبيق مبادئه العلميّة من قبل العديد من الأفراد، كما أنّه يُعتبر أوَّل عالم كيميائيّ تمَّ الإستفادة من دراساته وتحويلها من النطاق النظريّ إلى آخر عمليّ تطبيقيّ ومن بين إنجازاته العمليّة اكتشاف عناصر الزرنيخ والكبريت والزئبق إلى جانب كتابة ما يصل إلى 100 كتاب.
حياة جابر بن حيّان
هاجر جابر بن حيّان من اليمن إلى الكوفة وعمل في الكوفة صيدلانيًا، كان والده من المُناصرين للعباسيين في ثورتهم ضد الأمويين الذين أرسلوه إلى خراسان ليدعوا الناس لتأييدهم حيث قُبض عليه وقتله الأمويون، بعد ذلك هربت أسرته إلى اليمن حيث نشأ جابر ودرس القرآن والعلوم الأخرى وكان يعمل في الكوفة في العطارة مهنة والده، وخصص مكان في المنزل لمعمله الخاص بالكيمياء جعل فيه فرنًا خاصًا لصهر المعادن، واكتشف في هذا المعمل العديد من الأحماض واخترع فيه آلات تُساعده على ابحاثه وكتب فيه أهم مؤلفاته كذلك يُعتبر أو من وضع الأساس لعلم السموم وكان أوَّل من تحدّث عنها وعن الطُرق التي تدفع أضرارها ومارس مهنة والدته وبعد ذلك عادت أسرته إلى الكوفة بعد أن أزاح العباسيّون الأمويين لذا يُنسب أحيانًا بالأزدي أو الكوفي او الطوسي أو الصوفي.
إسهامات جابر بن حيّان في الكيمياء
- وصف منهجيّ للعديد من العمليّات والتفاعلات الكيميائيّة مثل تكوين الأحماض كالنتريك والكبريت وتكوين الأكاسيد والاملاح.
- قدّم طرق كيميائيّة لتحسين جودة العديد من المُنتجات المصنعة مثل صباغة القطن والجلود والتحليل الكيميائيّ للأصباغ والمواد الطبيعيّة الأخرى وتنقية الذهب وإنتاج الزئبق النقيّ حيث أصبحت هذه الطرق نقاطًا مرجعيةً للعلماء في القرون التي تلت جابر بن حيّان وكذلك الحرفيين من مختلف المهن.
- أضاف العديد من التقنيات والعمليّات الكيميائيّة مثل الترسيب والتبلور والتقطير والتسامي والإسالة والتبلور والتنقية والأكسدة والتبخير والترشيح.
- تحضير حمض الهيدروكلوريك وحمض الكبريتيك والنيترو مرياتيك وهي من الأحماض ذات الأهميّة الحيويّة في الصناعات الكيميائيّة في الوقت الحالي.
- دراسة خواص بعض المواد دراسة دقيقة ومن ذلك اكتشافه أيون الفضّة النشادري المعقد.
- بناء واستخدام الأجهزة المخبريّة خاصةً الأفران كما اخترع العديد من المُعدّات المخبرية التي تُستخدم بشكلٍ رئيسيّ في وقتنا الحالي.
- تطوير طريقة لتصنيع الزُجاج من ثاني أكسيد المنغنيز لمنع ظهور الصبغة الخضراء التي ينتجها الحديد.
- تقسيم المواد بحسب خصائصها إلى 3 أنواع مختلفة وهي المعادن مثل الفضة والذهب والحديد والحجارة أي المركبات التي يُمكنك تحويلها إلى مساحيق والمواد المُقطّرة أي المواد التي تتبخّر عند التسخين مثل كلوريد الألمنيوم حيث شكّلت هذه التسميات بدايةذ لتصنيفات المواد المُستخدمة حاليًا.
- تطوير الأساليب الكيميائيّة الأساسيّة باستخدام التجارب ودراسة التفاعلات الكيميائيّة مما يُمهّد الطريق لتحويل الكيمياء من علم أساطير وخرافات إلى تخصص علميّ.
إنجازات جابر بن حيّان في العلوم
1- إنجازات جابر بن حيّان في الكيمياء
استطاع جابر بن حيّان أن يربط علم الكيمياء باسمه لكثرة الإنجازات والإكتشافات والإختراعات التي قدّمها في هذا العلم وقد كان جابر بن حيّان منارةً لمن بعد من العلماء كالرّازي والعراقيّ، إذ أنّه استطاع أن يصنع لأوَّل مرة أحماض النتريك والكبريتيك، وكان أوَّل من فصل الذهب عن المعادن الأخرى باستخدام نترات البوتاسيوم وهي عبارة عن مُركّب من الرصاص والملح، فضلاً عن ذلك فهو أول من عمل على تنقية الزئبق كما اهتم بتنقية المواد باتّباع طريقة التبلوُر، وأدرج الأملاح كمادّة قابلة للذوبان في الماء وأطلق مُصطلح قلويّ على المواد القاعديّة وععلى الغراء، وأنتج الملح الصخريّ عن طريق تجربة خلط فيها حمض النتريك بالبوتسا وهو مُركّب من كربونات البوتاسيوم، علاوةً على ذلك حضَّر بعض الأحماض كحمض أرسينوز وأكسد الزئبق وأنتج الريجيا المائيّة القادرة عل إذابة الذهب.
2- إنجازات جابر بن حيّان في علم الفلك
اهتمَّ جابر بن حيّان في علم النجوم والفلك فاشتهر ببراعته في معرفة أسرار هذا العِلم ومعرفته بتأثير النجوم والكواكب كما أنّه استطاع أن يؤلف كتابًا في عمل الاصطرلاب وكتابًا في علم النجوم.
3- إنجازات جابر بن حيّان في الطبّ
تلقّى جابر بن حيّان تعليمه على يد مُعلّمه الإمام جعفر الصادق فنقل عنه العديد من الروايات الطبيّة، وهذا ما جعله معروفًا بسعة علمه في الطب إلى جانب كونه عالمًا كيميائيًا كما أنّه يُعالج كبار رجال الدولة العبّاسيّة وخلّف وراءه 500 كتاب في الطبّ.
4- إنجازات جابر بن حيّان في الرياضيّات
من أبرز ما قدّمه جابر بن حيّان في الرياضيات (الجسم الجابريّ ) وهي نظريّة تُعد نوعًا من علوم الأعداد حيث وصف الطبيعة بكونها تتناسب في مُكوّناتها كلّها بحسب نمط من الأعداد وهو 1:3:5:8 حتى وصل إلى ما يزيد عن 17 مُضاعفًا وأطلق على هذه الطريقة (طريقة التوازن) التي طبَّقها لتحديد كميّة أربع مُكوّنات طبيعيّة تتمثَّل بالطبيعة الساخنة والباردة والرطبة والجافّة.