رحلة الفيلسوف فيثاغورس
يتناول المقال الجذور الشرقية لفلسفة فيثاغورس، وكيف نقل معارف المصريين والبابليين في الهندسة والفلك ليحولها إلى قوانين رياضية أسست للعلم الحديث.
الفيلسوف والرياضي "فيثاغورس" يُعتبر حلقة الوصل الأهم بين علوم الحضارات الشرقية القديمة والنهضة العلمية اليونانية، إذ أنَّه لم تكن نظرياته وليدة التأمل الذهني المعزول، بل كانت ثمرة رحلة تعليميّة شاقّة وطويلة استمرت قُرابة ثلاثين عاماً، تنقَّل خلالها بين مراكز العلم في مصر وبابل وفينيقيا.
تهدف هذه المقالة إلى تتبع هذا المسار الجغرافي والمعرفي، وتحليل كيف ساهمت هذه الرحلة في تحويل "الرياضيات" من مجرد أدوات عملية لمسح الأراضي والتجارة إلى علم نظري وفلسفي متكامل يفسر ظواهر الطبيعة وقوانين الموسيقى وحركة الأجرام السماوية.
من هو فيثاغورس؟
فيثاغورس هو فيلسوف وعالم رياضيّات يونانيّ ومؤسس الأخويّة الفيثاغوريّة، وُلد في جزيرة ساموس المُقابلة لساحل آسيا الصُغرى أو ما يُعرف حاليًا بتركيا عام 569 قبل الميلاد، والده منيسارخوس والد فيثاغورس تاجرًا من مدينة صور أمّا والدته فيثاي فكانت من جزيرة ساموس وقد حصل والده على جنسيّة ساموس تقديرًا له حينما جلب الذرة للجزيرة أثناء مُعاناتها من المجاعة والجدير بالذكر أنَّ فيثاغورس أمضى طفولته في ساموس لكنّه رافق والده في أسفاره حيثُ أنّه زار عدّة مُدن وقيل أيضًا أنّه زار إيطاليا وذكرت بعض المصادر أنّه عاد إلى مدينة صور مع والده وتلقّى العلم على يد الكلدانيين وبعض رجال سوريا المُتثقّفين.
تعليم فيثاغورس
تعلّم فيثاغورس على يد عدد من الأساتذة والعلماء وكان لثلاثة فلافسة الفضل الأكبر والتأثير عليه وهم؛ فيريسيديس وطاليس، وتلميذة أناكسيمندر، حيثُ عاش الأخيران في ميليتوس وقد زار فيثاغورس طاليس بين عمر الثامنة عشر والعشرين عامًا وكان طاليس حينها كبيرًا في السن فقد أثّر في فيثاغورس إلّا أنّه لم يُعلّمه إلّا القليل لكنه ساهم في تقدّم فيثاغورس في علوم الرياضيات والفلك ونصحه بالسفر إلى مصر كما أنّه تتلمذ فيثاغورس على يد أناكسيماندر تلميذ طاليس الذي كان مهتمًا بعلم الهندسية وعلم الكونيات وقد ألقى أناكسيماندر الكثير من المُحاضرات في ميليتوس التي حضرها فيثاغورس وأثّرت بدورها على مُعتقداته ومبادئه.
إنجازات العالم فيثاغورس
1- الرياضيات
يوجد العديد من النظريّات الرياضيّة التي نُسبت لفيثاغورس، إلّا أنَّ نظرية فيثاغورس The Pythagorean theorem)) الأكثر شهرة بينها لكن على الرغم من شهرتها إلّا أنَّ فيثاغورس لم يكن أوَّل من يقوم باكتشافها إذ إنَّ أقدم صيغة لهذه النظرية وضعها العالم الهنديّ بودهايانا في عام 800 قبل الميلاد كما عرفها المصريّون والبابليّون القُدماء إلّا أنَّ فيثاغورس أقدم على برهانها وإثبات صحتها كما أنّه نشرها في اليونان ودرس فيثاغورس الأرقام الزوجيّة والفرديّة والمُثلثات والنسب المُثلثيّة من أجل إثبان نظريّته، والجدير بالذكر أنَّ نظرية فيثاغورس تُثبت أنَّ مُربع طول الضلع المُقابل للزاوية القائمة المُسمّى بالوتر يُساوي مجموع مربع أطوال الضلعين الآخرين في المثلث قائم الزاوية، وقد شرح نظريته من خلال تسمية الوتر ب C ، وأطلق على الضلعين الآخرين A وB ، وصاغ النظرية كما يأتي: C²=A²+B²
2- علم الفلك
أضاف فيثاغورس أفكارًا هامّة في علم الفلك على مبادئ القُدماء العلميّة وكان أول من اعتقد أنَّ كل الأرض كرويّ وأنّها تدور في الكون مع مجموعة من الكواكب بالإضافة إلى الشمس، ورأى أنَّ الرقم عشرة هو رقم سحريّ حيث أنّه ربطخ بوجود عشرة كواكب وشرح تنسيق الكواكب ووصفها بأنّها مجال مُنسجم ومُتناغم يتوافق مع الأجسام بشكلٍ مُتكامل مبنٍ على قواعدد رقميذة ومنطقيّة بالإضافة إلى استنباطه فكرة مي مدار القمر باتجاه خطّ الإستواء لكوكب الأرض، فضلاً عن ذلك يُعد فيثاغورس واحدًا من أوائل العلماء الذين اعتبروا أنَّ كوكب الزُهرة هو نجم الصباح ونجم المساء.
3- الموسيقا
درس فيثاغورس مجال الموسيقا، حيث رأى أنَّ الأنغام المُتناسقة تأتي من اهتزاز الأوتار حينما نكون نسب أطوال هذه الاوتار أعداد صحيحة، فقد ورد في بعض المصادر أنّه لاحظ أصواتًا مُنبعثة من سنادين حدادين مرَّ بهم يومًا حيث كان الصوت يصدر عن ضربهم للسندان فتصدر أنغام مثتناسقة وجميلة وهذا ما جعله يفترض أنَّ هُناك قواعد علميّة تسبّبت في هذا التناغم والإنسجام وبعد أن عاد فيثاغورس ليكتشف السر وراء هذا التناغم اكتشف أنَّ للسنادين نسبة طويلة بسيطة، إذ أنّه كان لإحداها نصف حجم سندان آخر ولبعضها ثُلثيّ حجم الأخرى، وهذه الفكرة تُعتبر الفكرة المُهمّة التي اكتشفها فيثاغورس الأولى من نوعها في إثبات نظريته بأنَّ الكون مُرتبط بالأعداد الصحيحة.
ما هي نظرية فيثاغورس؟
استطاع فيثاغورس إثبات نظريته مُبرهنة فيثاغورس في الرياضيات والتي تنص على أنَّ في المثلث القائم الزاوية مساحة المربع المنشأ على الضلع للزاوية القائمة تُساوي مجموع مساحتيّ المُربعين المنشأين على الضلعين الآخرين عن طريق حسابه لمساحة المُربعات التي تُقابل كل ضلع من أضلاع المثلث قائم الزاوية، وتأتي نظريّة فيثاغورس لتبرهن أنَّ مجموع مُربعي طولي ضلعي المُثلث القائم الزاوية وهُما الضلعين الأقصر في المُثلث يُساوي مربع طول الوتر وهو الضلع الأطول في المُثلث القائم الزاوية وبذلك الأمر، يُمكن استخدام نظرية فيثاغورس لجميع المثلثات القائمة الزاوية لإيجاد العلاقة بين أطوال الأضلاع الثلاثة أي أنَّ مُربع الضلع الوتر يُساوى مجموع مُربعي الضلعين الآخرين القائمين.