الوضوء الصحيح: شروطه، طريقته، وفضائله
يقدّم المقال دليلاً فقهياً ميسراً يهدف إلى تصحيح أهم عبادة يومية للمسلم، يبدأ بتوضيح الشروط التي تسبق الوضوء، ثم ينتقل لبيان طريقة الوضوء الصحيحة، وصولاً إلى فضائل الوضوء في الإسلام مما يمنح القارئ طمأنينة حول صحّة عبادته.
الصلاة هي عماد الدين، وأول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة، ولما كانت هذه الوقفة المهيبة تتطلب طهارةً تليق بجلال الخالق، جعل الله "الوضوء" مفتاحاً لها وشرطاً أساسياً لقبولها فالوضوء ليس مجرد روتين يومي لغسل الأعضاء، بل هو شعيرة تعبدية تغسل الخطايا مع تقاطر الماء، وتجدد نشاط المؤمن وروحانيته، ولكن، هل تساءلت يوماً: هل وضوئي يوافق تماماً ما جاءت به الشريعة؟ وهل أحيط علماً بتلك التفاصيل الدقيقة التي قد تفصل بين وضوء صحيح مقبول وآخر تشوبه النواقص؟
ما هي شروط وجوب الوضوء؟
1- الإسلام
أوَّل شرط من شروط الوضوء هو الإسلام فذهب الحنفية إلى أنَّه شرط وجوبٍ لا صحّة وذلك لأنَّ غير المُسلمين ليسوا مُخاطبين بفروع الشريعة وذهب جمهور العلماء إلى القول بأنَّه شرط لصحّة الوضوء باعتبار غير المُسلمين مخاطبون بفروع الشريعة.
2- التكليف
يُقصد بالتكليف أن يكون المُسلم بالغًا عاقلاً حيث ذهب المالكية إلى أنَّ العقل شرط لوجوب وصحّة الوضوءا لذا فإن المُميّز الذي يفهم الحديث ويقدر على ردّ الجواب دون ضبط ذلك بسنٍّ مُعيّن يصح وضوءه، أمّا المجنون الذي فقد عقله فلا يصح وضوءه ولا يجب عليه أمّا البلوغ فقد اتفق الفقهاء على أنّه شرطٌ لوجوب الوضوء على الذكر والأنثى لِذا فلا يجب على الصبي القاصر الذي لم يبلغ الحلم إلّا إذا كان مُميزًا فيصح وضوءه.
3- انقطاع دم الحيض أو النفاس المُنافيان للوضوء
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ انقطاع دم الحيض أو النفاس عن المرأة هو شرط لوجوب وصحّة الوضوء وقال بعض العلماء من الحنفية ومجموعة من السّلف باستحباب وضوء الحائض أو النفساء وقت كل صلاة تخفيفًا لحدثها فيصح وضوؤها وإن كلن الحدث باقيًا كما الجُنب الذي يتوضأ للنوم.
4- القُدرة على استعمال الماء
ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّه من شروط وجوب الوضوء أن يكون المُسلم قادرًا على استعمال الوضوء بحيث لو كان عاجزًا عن ذلك لوجود مرض أو نحوه كمن قُطعت يداه من المِرفقين أو رجلاه من الكعبين فلا يجب عليه وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: (لا يُكلِّف الله نفسًا إلى وُسعها) وقوله تعالى (فاتَّقوا الله ما استطعتم).
طريقة الوضوء الصحيحة
- ينوي المُسلم بقلبه نيّة الوضوء ثُمَّ يذكر اسم الله تعالى.
- يغسل يديه ثلاث مرّات ثمَّ يتمضمض ويستنشق بغرفةٍ واحدة بيده اليُمنى ويُكرّر ذلك ثلاث مرّات للمضمضة وأخرى للإستنشاق، ويستنثر بيده اليُسرى.
- يغسل وجهه ثلاث مرّات على أن يكون ذلك من الأذن إلى الأذن عرضًا ومن منبت الشعر إلى اللحيين طولاً ويشمل ذلك تخليل اللحية بالأصابع.
- يغسل يديه اليُمنى ثُمَّ اليُسرى من أطراف الأصابع إلى المرفقين ويُكرر ذلك ثلاث مرّات.
- يمسح رأسه كلّه مرّة واحدة من مُقدّمه إلى قفاه ثمَّ يمسح ظاهر أذنيه وياطنهما.
- يغسل القدمين من الكعبين مُبتدئًا باليُمنى ثمَّ اليُسرى ويُكرر ذلك ثلاث مرّات.
- يدعو بعد فراغه من الوضوء بالأذكار الواردة في السنّة ومن ذلك ما ثبت عن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
- (ما مِنكُم مِن أحَدٍ يَتَوَضَّأُ فيُبْلِغُ، أوْ فيُسْبِغُ، الوَضُوءَ ثُمَّ يقولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُ اللهِ ورَسولُهُ؛ إلَّا فُتِحَتْ له أبْوابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَدْخُلُ مِن أيِّها شاءَ)
ما هي فضائل الوضوء؟
1- الوضوء سبب في بلوغ الحُلية
بُلوغ الحلية هو النُّور والبياض يوم القيامة، لقول النبيّ -صلى الله عليه وسلَّم- (تبلُغُ حِليةُ أهلِ الجنَّةِ مبلغَ الوضوءِ) وبُلوغ الحِلية أي لبسه في الجنَّة حيثُ يبلغ الوضوء.
2- الوضوء سبب للعزة والتحجيل يوم القيامة
وذلك لقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- (أمتي يومَ القيامةِ غُرٌّ من السجودِ، مُحجَّلون من الوُضوءِ) فقد توضأ أبو هرير -رضي الله عنه- أمام الصَّحابة الكرام وغسل يده ورجله وزاد عليهما ثمَّ قال: (قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ مِن إسْباغِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وتَحْجِيلَهُ) والغُرَّة في اللُغة: هو البياض الذي يكون في جبهة الفرس وأمَّا التحجيل: فهو البياض الذي يكون في يديها ورجليها وفي ذلك إشارة إلى النُّور والبياض الذي يكون على المُتوضّئ يوم القيامة، وهذا الحديث يدل على أثر الوضوء وفضله وأنَّ المُتوضئون يأتون يوم القيامة غرًّا أي بيض الوجوه مُحجَّلون يعني بيض الأرجل والأيدي وهذا البياض بياض نور وإضاءة يعرفهم الناس به وهذه العلامة والكرامة خاصّة بأمَّى النبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم-.
3- الوضوء سبب في تكفير الخطايا ورفع الدرجات
المقصود بتكفير الخطايا هو أنَّه يُكفّر صغائر الذنوب دون الكبائر لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ) وقول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا أدُلُّكُمْ علَى ما يَمْحُو اللَّهُ به الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدَّرَجاتِ؟ قالُوا بَلَى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: إسْباغُ الوُضُوءِ علَى المَكارِهِ) والمقصود بمحو الخطايا هو مغفرتها، وقد يكون بمحوها من كتاب الملائكة الحَفَظَة، وأمَّا رفع الدَّرجات؛ فهو رفع المنزلة في الجنَّة.
4- الوضوء سبب لمحبة الله
الوضوء سبب لمحبة الله لعبده بدليل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) والمقصود التوّابين من الذنوب والمُتطهّرين بالماء وقيل: إنَّ الله تعالى يُحب الإنسان المُتطهّر من الذنوب.
5- الوضوء سبب لانحلال عقد الشيطان عن الإنسان
الوضوء هو سبب لانحلال عقد الشيطان عن الإنسان لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: (يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ علَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هو نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ).
6- الوضوء نصف الإيمان
قال النبي -صلى الله عليه وسلَّم- (الطُّهورُ شَطرُ الإيمانِ) بالإضافة إلى بشاشة الله تعالى لمن يُحسن الوضوء ويُسبغه لقول النبيّ -عليه الصلاة والسلام- (لا يتوضَّأُ أحدٌ فيُحسنُ وضوءَهُ ويُسبغُهُ، ثمَّ يأتي المسجِدَ لا يُريدُ إلَّا الصَّلاةَ إلَّا تَبشبشَ اللَّهُ بِهِ كَما يَتبَشبَشُ أَهْلُ الغائِبِ بطَلعتِهِ).