قصة هارون عليه السلام؛ النبي الصابر والرفيق الأمين
يقدّم هذا المقال قصة هارون عليه السلام، النبي الصابر ورفيق موسى عليه السلام، موضحًا دوره في نصرة الحق، دعمه لموسى، وصبره على قومه
في سطور التاريخ النبوي، برز هارون عليه السلام كنموذج للنبي الحكيم الهادئ، الذي أرسله الله سندًا ووزيرًا لأخيه موسى عليه السلام في مهمته الجليلة لدعوة فرعون وقومه إلى عبادة الله، وقد اتصف هارون بالفصاحة، واللين، والصبر، وكان له دور كبير في تثبيت دعوة الحق، خاصة في غياب موسى عن قومه في هذا المقال، نستعرض سيرة نبي الله هارون، ونتعرّف إلى أبرز محطات حياته، ودوره في الدعوة، ومواقفه العظيمة التي خُلّد ذكرها في القرآن الكريم.
أمر الله موسى وهارون بدعوة فرعون وأتباعه إلى الإيمان والإسلام
بعث الله تبارك وتعالى هارون عليه السلام ليكون معينًا لنبيه موسى عليه السلام حين أراد أن يبعثه إلى فرعون لدعوته إلى الإيمان، وقد دعا موسى عليه السلام ربه بدعوات حين أمره تعالى أن يذهب إلى فرعون لدعوته إلى الإيمان وقد استجاب الله دعوته، قال تعالى: {قالَ ربِّ اشرَحْ لي صدري ويَسِّرْ لي أمري واحلُلْ عقدةً من لساني يفقهواْ قولي واجعلْ لي وزيرًا مِنْ أهلي هارونَ أخي اشدُدْ بهِ أزري وأشرِكهُ في أمري كي نُسَبِّحُكَ كثيرًا ونذكُركَ كثيرًا إنَّكَ كنتَ بنا بصيرًا قالَ وقد أوتيتَ سؤالكَ يا موسى} [سورة طه]
ويقول تعالى: {قالَ ربِّ إنِّي قتلتُ منهُم نفسًا فأخافُ أن يقتلونِ وأخي هارونَ هُوَ مني لِسانًا فأرسلهُ معي رِدْءًا يُصَدِّقني إنِّي أخافُ أن يُكَذبونِ} [سورة القصص] أي اجعله معي معينًا وردءًا ووزيرًا يشدُّ ظهري ويقويني ويساعدني على أداء رسالتي إليهم فإنه أفصح مني لسانًا وأبلغ بيانًا، واستجاب الله تعالى لنبيه موسى وقال له تعالى مجيبًا له إلى سؤاله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بأخيكَ ونجعلُ لكُما سُلطانًا فلا يَصِلونَ إليكُما بآياتِنا أنتُما ومَنِ اتَّبعكُما الغالبون} [سورة القصص]، والحاصل أن الله تعالى استجاب لموسى طلبه وأخبره بأنه سيجعل معه أخاه هارون معينًا له ووزيرًا، وطمأنه بأن فرعون وجنده لن يصلوا إليه وإلى أخيه هارون بقتل ولا ينالون منهما، قال تعالى: {وإذ نادى ربُّكَ موسى أنِ ائتِ القومَ الظالمينَ قومَ فرعونَ ألا يتَّقون قالَ ربِّ إني أخافُ أن يُكذبونِ ويضيقُ صدري ولا ينطلقُ لساني فأرسِل إلى هارونَ ولهم عليَّ ذنبٌ فأخافُ أن يقتلونِ* قالَ كلا فاذهبا بآياتنا إنَّا معكم مُستمِعون} [سورة الشعراء]، وقال تعالى: {قالَ ربِّ اشرح لي صدري ويسِّر لي أمري واحلُل عقدةً من لساني* يفقهوا قولي} [سورة طه]، أي حتى يفهموا عني بسرعة، وما أصابه من بطء خفيف في كلامه لم يمنع عنه البيان.
مواجهة موسى عليه السلام لفرعون
سار موسى عليه السلام بأهله نحو مصر حتى وصلها ليلاً وكان هارون عليه السلام يومئذ غائبًا بمصر، فأوحى الله تعالى إليه أن يتلقى أخاه موسى عليه السلام ويخبره أنه قد جعله وزيرًا له ورسولاً معه، وتلقى هارون موسى فلما اجتمعا والتقيا قال موسى لأخيه هارون: إن الله أمرني أن ءاتي فرعون فسألته أن يجعلك معي فانطلق معي إليه، وانطلق موسى وهارون عليهما السلام إلى قصر فرعون ليلاً، وطلب موسى من البواب أن يأذن له بالدخول على الملك أي فرعون، وعندما سأله البواب بقوله: وماذا أقول لفرعون؟ أجابه موسى: قل له جاءك رسول رب العالمين، ففزع البواب من كلام موسى ودخل على فرعون مرعوبًا وقال له: إن بالباب إنسانًا مجنونًا يزعم أنه رسول رب العالمين، فأخذت فرعون رعدة وهيبة وأمر بوابه بإدخاله مع أخيه هارون عليهما السلام، فلما دخل موسى ومعه أخوه هارون على فرعون في قصره دَعَواه إلى عبادة الله وحده لا شريك له في الألوهية والدخول في دين الإسلام وبلّغاه ما ارسلا به، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته ويتركهم يعبدون الله تعالى وحده ويتفرغون لعبادته، وهنا تكبّر فرعون في نفسه وعتا وطغى وأخذته العزة بالإثم ونظر إلى موسى وهارون بعين الازدراء، وقال لهما: وهل يوجد إله غيري؟ ولما تحقق فرعون من موسى وعلم أنه الذي تربى في بيته وقصره ثم كان من أمره ما كان، قال لموسى: ألم نربك فينا وليدًا ولبثت فينا من عمرك سنين؟ أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنّا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر؟ قال تعالى: {فأتيا فرعونَ فقولا إنَّا رسولُ ربِّ العالمين أنْ أرسِلْ معَنا بني إسرائيل قالَ ألمْ نُربِّكَ فينا وليدًا ولبثتَ فينا مِنْ عُمركَ سنين وفعلتَ فَعْلتكَ التي فعلتَ وأنتَ مِنَ الكافرين* قال فعلتُها إذًا وأناْ مِنَ الضَّالين* ففرَرْتُ مِنكُم لمَّا خِفتُكم فوهبَ لي ربي حُكمًا وجعلني مِنَ المُرسلين} [سورة الشعراء].
أظهر فرعون كل عناد وتكبر بالذي جاءه وبلغه إياه موسى عليه السلام مع الحجج القوية الباهرة، ومع هذا كله لم يتراجع عن ضلالاته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه مع ما في كلام موسى عليه السلام له من الحجج والبراهين الساطعة النيرة يقول الله تعالى في فرعون وفساده: {فحشَرَ فنادى فقالَ أناْ ربُّكُمُ الاعلى} [سورة النازعات]، وقال تعالى: {وقالَ فرعونُ يا أيُّها الملأ ما علمْتُ لكم مِن إلهٍ غيري} [سورة القصص]، ثم قال فرعون لمن حوله من أمرائه ووزرائه على سبيل التهكم ألا تستمعون لكلامه، قال تعالى: {قالَ لمن حوله ألا تستمعون} فأجابه موسى: {قال ربُّكُم وربُّ ءابائكُم الأوَّلين} [سورة الشعراء]
بعد أن قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه الواهية ولم يبق له إلا العناد والتكبر عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته وجبروته، يقول الله تعالى حكاية عنه: {قالَ لئنِ اتَّخذتَ إلهًا غيري لأجعلنَّكَ مِنَ المسجونين قالَ أوَلوْ جِئتُكَ بشيءٍ مبينٍ قالَ فأتِ بهِ إن كنتَ مِنَ الصادقين فألقى عصاهُ فإذا هيَ ثُعبانٌ مبينٌ ونزَعَ يدهُ فإذا هيَ بيضاءُ للناظرين} [سورة الشعراء]
لذلك خافه فرعون ووثب فزعًا، ثم أدخل موسى عليه السلام يده البيضاء في جيبه وأخرجها فإذا هي بيضاء كالثلج لها نور يتلألأ ثم ردّها فعادت كما كانت بقدرة الله ومشيئته وهاتان المعجزتان هما البرهانان اللذان أيد الله تبارك وتعالى بهما نبيّه موسى عليه السلام لما أرسله إلى فرعون وأتباعه وهما معجزتان أبهرتا العقول والأبصار، فحين ألقى موسى عليه السلام عصاه أمام فرعون إذا هي ثعبان مبين أي عظيم الشكل في الضخامة والهول والمنظر الفظيع الباهر، حتى قيل إن فرعون لما شاهد معجزة العصا وعاينها أخذه خوف عظيم انعكس اثر ذلك على صحته وحالته، وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها إذا هي كفلقة القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فلما أعادها إلى جيبه واستخرجها رجعت إلى صتها الأولى، ومع هذا كله لم يقتنع فرعون بشيء من ذلك بل استمر على كفره وطغيانه وادعى أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن هم في رعيته وتحت سلطته ودولته، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
عبادة بني إسرائيل للعجل
بعد أن أهلك الله فرعون وجنوده، سار موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلى بيت المقدس، ثم تركهم مستخلفاً عليهم أخاه هارون، وذهب لمناجاة ربه، وفي تلك الأثناء جاءه الخبر الإلهي بما أحدثه قومه في غيبته من عبادة العجل، بعد أن زين لهم ذلك شخص يدعى السامري -نسبة إلى السامرة من مدن فلسطين- وقالوا عندما رأوا العجل الذي صنعه لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه؛ لأن موسى نسي إلهه هنا، وذهب ليبحث عنه في مكان آخر
وقد نصح هارون عبدة العجل من قومه قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم، فبيَّن لهم أنهم على ضلال مبين بعبادتهم هذا العجل، الذي لا يضر ولا ينفع، وأن المعبود الحق إنما هو الله وحده، وحثهم على العودة واتباع الحق الذي عليه هو وأخوه موسى بيد أن هذه النصيحة لم تجد آذاناً صاغية، بل قابلت تلك النصيحة بالاستخفاف والاستهزاء، والتصميم على المضي قُدُماً في طريق الضلال
ولما عاد موسى عليه السلام إلى قومه، عاتب أخاه؛ لأنه لم يتخذ موقفاً حازماً وحاسماً من عبادة القوم العجل، فأخبره هارون أنه لم يقاتلهم جراء فعلتهم؛ مخافة أن تحدث فتنة بينهم، فينقسموا شيعاً وأحزاباً، وآثر أن ينتظر عودة موسى ليتدارك الأمر وبعد أن انتهى موسى من سماع اعتذار أخيه هارون، وجَّه كلامه إلى قومه، ليعرف السبب وراء عكوفهم على عبادة العجل، فقدموا له معاذير واهية، تدل على بلادة عقولهم، وانتكاس أفكارهم، فذكروا أن عبادتهم العجل كانت أمراً خارجاً عن طاقتهم واختيارهم، وكانت بتسويل السامري، ولولا ذلك -كما ادعوا- لبقوا على العهد والوعد. وتوجَّه موسى عليه السلام مغضباً إلى السامري، وأخذ في زجره وتوبيخه، ثم أمر الناس باجتنابه وعدم الاقتراب منه؛ لأنه مفتر أثيم وشر مستطير ثم أخذ موسى العجل المصنوع وأتلفه، وألقى ذراته في البحر، وبين لمن كان يعبده أن عبادته جهل ليس بعده جهل، ولا ينبغي لعاقل أن يفعل ذلك وختم حديثه لهم بأن المعبود الحق إنما هو الله الذي لا إله غيره وسع كل شيء علماً.
كيف توفيّ هارون عليه السلام؟
قال السدّي: أوحى الله عز وجل إلى موسى: أني متوفي هارون، فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو الجبل، فإذا هما بشجر لم ير شجر مثلها وإذا بيت مبني فيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلمّا نظر هارون إلى ذلك بجنبه أعجبه وقال: يا موسى إنّي أحب أن أنام على هذا السرير، قال: فنم عليه، فقال: إنّي أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ، قال له موسى: لا، أنا أكفيك رب هذا البيت فنم، قال: يا موسى بل نم معي فإن جاء رب البيت غضب عليّ وعليك جميعا، فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حتفه قال: يا موسى خذ عيني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون، قالوا: إنّ موسى قتل هارون وحسده حبّ بني إسرائيل له، فقال موسى: ويحكم فإنّ أخي أمر ولن أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه.