مراحل تدوين الحديث النبوي الشريف
يقدّم هذا المقال مراحل تدوين الحديث النبوي الشريف عبر العصور، من الحفظ والرواية الشفوية في عهد النبي ﷺ
شكّل الحديث النبوي الشريف ركيزة أساسية في بناء المنظومة التشريعية الإسلامية، إذ يوضّح ويبيّن ما جاء في القرآن الكريم. ومع ازدياد الحاجة لحفظ السنّة النبويّة من الضياع والتحريف، بدأ المسلمون منذ العصور الأولى في تدوين الأحاديث النبوية، مرورًا بعدة مراحل تطوّرت عبر القرون فقد بدأ التدوين بشكل فردي ومحدود في عهد الصحابة، ثم توسّع ليأخذ طابعًا رسميًا ومنهجيًا في العصور اللاحقة، حتى وُلدت كُتب الحديث الكبرى مثل "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" نستعرض في هذا المقال أهم مراحل تدوين الحديث النبوي الشريف، وأبرز الجهود التي قام بها العلماء لحفظ هذه السُّنّة النبويّة المباركة.
ما المقصود بتدوين الحديث؟
تدوين الحديث هو تدوين وتسجيل ما ورد عن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير والتي أولاها المُسلمون اهتمامًا بالغًا كونها تُعد المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلاميّ، حيث مرّت عملية تدوين الحديث بمراحل عدّة بدأ مع القرن الثاني للهجرة حيث بدأت الخطوات الأولى لتدوين الحديث بكتابته بعد أن كان مقصورًا على المُشافهة تطوّر الأمر مع مرور الوقت وانتقل من مرحلة الجمع البحث إلى مرحلة التصنيف والترتيب تارة بحسب المواضيع الفقهيّة وأخرى بترتيب الأحاديث بحسب الراوي وإن اختلفت موضوعاتها، ومع مرور الزمان تشعبّت أنواع كتب الحديث بين موطآت ومصنفات ومسانيد وسنن وجوامع ومُستدركات ومُستخرجات.
مراحل تدوين الحديث النبوي الشريف
1- تدوين الحديث في عهد النبوة
كان النبي محمد -صلى الله عليه وسلّم- يحث صحابته الكرام على تعلّم الكِتابة بعد انتشار الإسلام لحاجة الإسلام إلى كُتَّاب للوحي ولأمور الدولة، فعيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- قُرابة أربعين كاتبًا للوحيّ وبعضهم للصدقة وبعد الهجرة واتساع الدولة الإسلاميّة زاد عدد الكُتّاب من الصحابة الكِرام وكان الذي يعرف القراءة والكتابة يُعلم غيره وكان وجود المساجد التسعة مُعدًا لهذه المُهمة، ولم تقتصر الكتابة على الرجال بل كان هناك من النساء من تعلمنَّ في بيوتهنَّ ثم بعد انتشار الصحابة في الأمصار اتَّسع التعليم وكثرت حلقات العلم لكن لم يظهر في العلم العصر النبوي تدوينً للسنّة النبوية بشكلٍ رسميّ، وكانت هُناك بعض الأحاديث التي تأمر الناس بعدم الكتابة كقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تَكْتُبُوا عَنِّي، ومَن كَتَبَ عَنِّي غيرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ) وبالمُقابل كانت هناك أحاديث تُبيح الكِتابة، كتوجيه النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- عبد الله بن عمرو للكِتابة بعد أن نهتهُ قُريش عن الكِتابة بقوله: (اكتُب فوالَّذي نَفسي بيدِهِ ما يَخرُجُ منهُ إلَّا حقٌّ)، والجَمْع بينها: أنَّ النَّهي عن الكتابة كان في بداية الإسلام؛ لمخافة الاختلاط بينه وبين القُرآن، وأنَّهم كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام وبالقُرآن والسُنّة، حيث إنَّ العرب كانوا يمتازون بالحفظ والدقَّة والإتقان، فاعتمدوا على ذلك دون الكتابة.
2- تدوين الحديث في عهد الصحابة
في عهد الخلفاء الراشدين ذهب الصحابة إلى عدم الإقدام على الكتابة للسُنّة حرصًا منهم على سلامة القرآن الكريم والسنة وفي عهد عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- دعا الناي إلى جمع السنة في الكتاب من ثُم عدل عن ذلك بعد أن رأى الناس ينشغلون بالسنة على حساب انشغالهم بالقرآن الكريم وورد عنه قوله لا كتاب مع كتاب الله كما ورد عن ابن مسعود قوله " إنَّ القلوب أوعية فأشغولها بالقرآن" ولكن العماء قالوا إنَّ المنع كان لبعض الصحابة ثم رجع بعض الصحابة عن رأيهم بعد زوال أسباب المنع، فقد رُوي عن ابن عُمر أنّه كان ينظر في كُتبه قبل خروجه من البيت وكان أنس بن مالك خادم النبي- صلى الله عليه وسلم- والمُلازم له يقول لأبنائه قيّدوا العلم بالكتابه فيتضح رجوع بعض الصحابة عن كراهة الكتابة بعد زوال أسباب المنع ومما يؤكد ذلك حرص الصحابة بعد وفاة النبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- على دراسة السنة وتعليمها ونشرها بين الناس وخاصةً في البلاد المفتوحة.
3- تدوين الحديث في عهد التابعين
اهتم التابعون بتدوين السنّة ولم يقلّ اهتمامهم عن اهتمام الصحابة بها وممن كتب الحديث وأجاز كتاباته: سعيد بن المسيب، والحسن البصريّ، الشعبيّ وهمام بن منبه وكانوا حلقة الموصل بين الثُرون الأولى والمُصنفين في بداية القرن الثانيّ ووضع التابعون العديد من الضوابط التي تحفظ تدوين السنّة دون أي تحريق أو تبديل كما أنه كان يتم مُراجعتها من قبل الشيخ إمّا بالسماع أو بالقراءة عليه وزاد اهتمامهم بالحديث من جميع جوانبه كإسناده، رجاله، والتثبت في الأداء.
4- التدوين الرسمي للحديث
بدأ التدوين الرسميّ للحديث والسُنَّة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حيث أمر محمد بن مُسلم بن شهاب بن زُهرة المعروف بالزُهري بجمعها وجعل معه أبو بكر بن عمرو بن حزم فبدآ بذلك من غير ملل فكان يُقال إنَّ الزُهري هو أول من دوَّن السنة من باب التغليب إذ أنها كانت في عهد النبيّ عليه الصلاة والسلام، فكان التدوين الرسمي لها في عهد الخلية عُمر بن عبد العزيز وبأمرٍ منه لتلبية رغبة عُمر بن الخطاب الذي كان يتطلّع لذلك ولكنه خشيَ التباسها بالقرآن فكان الزُهري من أعلام السنة وقال الإمام مُسلم -رحمه الله- إنَّ له تسعين حديثًا لا يرويها غيره وقيل لولاه لضاعت الكثير من السنن فدوَّنها من غير تبويبٍ لها وكانت مُختلطة مع بعض أقوال الصحابة وفتاوى التابعين ثم انتشر التدوين في باقي الأمصار كمكة، المدينة، البصرة، الكوفة، الشام، اليمن وغيرها من الأمصار.