من قصص القرآن: موسى والخضر وعِبر الصبر على الغيب
يقدم المقال قصة موسى والخضر ويستعرض الدروس والعِبر حول الصبر على ما لا يُرى وفهم حكم الله في الأحداث الغامضة
من بين القصص القرآنيّة التي تحمل في طياتها دروسًا عميقة ومعانٍ خالدة، تبرز قصة موسى والخضر كرحلة استثنائية في طلب العلم وفهم الحكمة الإلهية فهي قصة تُظهر كيف أن ظاهر الأحداث قد يكون صادمًا أو غير مفهوم، بينما يكمن في باطنها تدبير ربّاني مليء بالحكمة والرحمة. وتكشف لنا هذه القصة قيمة الصبر على ما نجهل، والثقة في أن وراء كل أمر غامض حكمة لا يدركها العقل البشري للوهلة الأولى، في هذا المقال، نستعرض أحداث هذه القصة كما وردت في القرآن الكريم، ونقف عند أهم العِبر المستخلصة منها التي تمسّ حياتنا اليوم.
قصة موسى والخضر
وقف موسى عليه السلام في أحد الأيام خطيبًا في بني إسرائيل فسألوه عن أعلم أهل الأرض فأخبرهم بأنّه هو أعلم من في الأرض فعاتبه الله تعالى-لأنّه لم يُرجع الفضل إليه وأخبره بوجود رجل صالح هو أعلم منه في مجمع البحرين فسأل موسى عليه السلام ربّه عن كيفيّة الوصول لهذا الرجل فأمره بالخروج وأن يأخذ معه حوتًا ويجعله بمكتل وفي المكان الذي يفقد فيه الحوت يكون الرجل الصالح فانطلق موسى عليه السلام آخذًا معه فتاة يوشع بن نون والحوت ولمّا وصلا إلى الصخرة غلبهما النُعاس وناما فخرج الحوت من المكتل وهرب إلى البحر بعد أن شرب من عين ماء موجودة في الصخرة يُقال لها "عين الحياة" إذ رُدَّت له الروح فهرب لقوب رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- (وفي أصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: الحَيَاةُ لا يُصِيبُ مِن مَائِهَا شيءٌ إلَّا حَيِيَ، فأصَابَ الحُوتَ مِن مَاءِ تِلكَ العَيْنِ - قالَ: فَتَحَرَّكَ وانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ).
منع الله تعالى جريان الماء في المكان الذي هرب الحوت من خلاله حتى لا يُمحى أثره وعندما استيقظ موسى عليه السلام تابع مسيرته دون أن يتفقّد الحوت قال تعالى (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتّى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حُقُبا، فلمَّا بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتَّخذ سبيله في البخر سَرَبًا) وبعدما تعدّة المكان الذي أمره الله تعالى أن يصل إليه شعر بالتعب والجوع فطلب من فتاه الأكل فتذكَّر فتاه حينئذٍ أن يُخبره بأمر هروب الحوت عندما كانا عند الصخرة وما كان نسيانه لذلك إلّا من الشيطان قال تعالى: (فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَد لَقينا مِن سَفَرِنا هـذا نَصَبًا * قالَ أَرَأَيتَ إِذ أَوَينا إِلَى الصَّخرَةِ فَإِنّي نَسيتُ الحوتَ وَما أَنسانيهُ إِلَّا الشَّيطانُ أَن أَذكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي البَحرِ عَجَبًا)
فعادا إلى المكان الذي فقدا فيه الحوت فوجدا العبد الصالح هناك قال تعالى-: (قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبغِ فَارتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا * فَوَجَدا عَبدًا مِن عِبادِنا آتَيناهُ رَحمَةً مِن عِندِنا وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلمًا).
سلّم موسى عليه السلام عليه وعرّف عن نفسه وأخبره بأنّه قد أتاه ليُعلّمه وأخبره بأنَّ الله تعالى قد أطلّع كل منهما على علم لا يعلمه الآخر فما كانت معلومة لأحدهما لن تكون كذلك للآخر قال تعالى: (قالَ لَهُ موسى هَل أَتَّبِعُكَ عَلى أَن تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمتَ رُشدًا قالَ إِنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعِيَ صَبرًا وَكَيفَ تَصبِرُ عَلى ما لَم تُحِط بِهِ خُبرًا)، إلّا أن موسى عليه السلام قد أصرَّ على صحبته وأخبره بأنّه لن يُخالف أمره فوافق الخضر شريطة أن لا يسئله موسى عليه السلام عن شيء حتى يُبيّت له هو ما قد يُنكره عليه قال تعالى: قالَ سَتَجِدُني إِن شاءَ اللَّـهُ صابِرًا وَلا أَعصي لَكَ أَمرًا، قالَ فَإِنِ اتَّبَعتَني فَلا تَسأَلني عَن شَيءٍ حَتّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا
قام الخضر باقتلاع أحد ألواح السفينة بالقدّوم، وقد تفاجأ موسى عليه السلام من هذا الأمر؛ فأنكر فعله الذي لا يُناسب الإحسان الذي قدّمه أهل السفينة لهما، قال -تعالى-: (فَانطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقتَها لِتُغرِقَ أَهلَها لَقَد جِئتَ شَيئًا إِمرًا؛ فما كان من الخضر إلّا أن ذكّره بشرطه فاعتذر إليه موسى -عليه السلام- مُبينا أنّ ذلك ما كان إلّا نسياناً منه، قال -تعالى-: (قالَ أَلَم أَقُل إِنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعِيَ صَبرًا قالَ لا تُؤاخِذني بِما نَسيتُ وَلا تُرهِقني مِن أَمري عُسرًا)، وحينها وقف عصفور على طرف السفينة وأراد أن يشرب من ماء البحر فنقر فيه نقرة؛ فشبّه الخضر مقدار ما لديهما من العلم مقارنة بعلم الله -تعالى- كمقدار الماء الذي شربه العصفور من البحر فقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (وجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ علَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ له الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلَّا مِثْلُ ما نَقَصَ هذا العُصْفُورُ مِن هذا البَحْرِ)، ونزلا من السفينة ومشيا على الساحل حتّى شاهد الخضر غلاماً يلعب مع رفاقه فأمسك برأسه واقتلعها فقتله، قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مع الغِلْمَانِ، فأخَذَ الخَضِرُ برَأْسِهِ مِن أعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بيَدِهِ)؛ فسارع موسى -عليه السلام- بإنكار فعله إذ ليس له الحقّ في قتل النفس، قال -تعالى-: (قالَ أَقَتَلتَ نَفسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفسٍ لَقَد جِئتَ شَيئًا نُكرًا)؛ فما كان من الخضر إلّا أن ذكّره بشرطه مرّة ثانية، واعتذر إليه موسى -عليه السلام- وأخبره بأنّه إن اعترض عليه بشيء مرة أخرى أن يتركه ولا يُصاحبه، قال -تعالى-: (قالَ أَلَم أَقُل لَكَ إِنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعِيَ صَبرًا قالَ إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَها فَلا تُصاحِبني قَد بَلَغتَ مِن لَدُنّي عُذرًا وتابعا المسير حتّى وصلا إلى قرية رفض أهلها ضيافتيهما، فرأى الخضر فيها جداراً مائلاً يوشك على السقوط؛ فعدّل ميله وأخبره موسى -عليه السلام- لو أنّه أخذ أجراً على فعله لَتمكّنا من الحصول على الطعام الذي رفض أهل القرية تقديمه لهما، قال الله -تعالى-: (فَانطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهلَ قَريَةٍ استَطعَما أَهلَها فَأَبَوا أَن يُضَيِّفوهُما فَوَجَدا فيها جِدارًا يُريدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَو شِئتَ لَاتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا)؛ فما كان من الخضر إلّا أن أخبره بأنّ لحظة فراقهما قد حانت وسيُوضّح الحكمة في جميع الأفعال التي أنكرها عليه، قال -تعالى-: (قالَ هـذا فِراقُ بَيني وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأويلِ ما لَم تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا) فأمّا السفينة والضرر الذي ألحقه بها فما كان ذلك إلّا للتخلّص من ظلم ملكٍ كان يأخذ كل سفينة صالحة من أهلها عَنوة؛ فأراد أن يجعل فيها عيباً ليغضّ طرف هذا الملك عنها، وإن حصل ذلك سارع أهل السفينة لِإصلاحها والانتفاع بها، قال -تعالى-: (أَمَّا السَّفينَةُ فَكانَت لِمَساكينَ يَعمَلونَ فِي البَحرِ فَأَرَدتُ أَن أَعيبَها وَكانَ وَراءَهُم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ غَصبًا وقتله للغلام كان لأنّه كان جاحداً بالله وكان أبواه مؤمنين فيُخشى أن يتّبعاه في دينه حبّاً به وحاجة إليه؛ فأراد الله -تعالى- أن يرزقهما بمَن هو خير منه ديناً وبرّاً، قال -تعالى-: (وَأَمَّا الغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤمِنَينِ فَخَشينا أَن يُرهِقَهُما طُغيانًا وَكُفرًا فَأَرَدنا أَن يُبدِلَهُما رَبُّهُما خَيرًا مِنهُ زَكاةً وَأَقرَبَ رُحمًا وأمّا الجدار الذي عدّل ميله فكان تحته كنز لِيتيمَين يعيشان في المدينة، وهذا الكنز كان ذهباً كما قال عكرمة -رضي الله عنه-، وقال ابن عبّاس - رضي الله عنه - الكنز كان عِلماً، وقال أبو ذر -رضي الله عنه- كان عِلماً مكتوب على لوح من ذهب، وأراد الله -تعالى- أن يحفظه لهما حتى يبلغا وذلك بسبب الصلاح الذي كان عليه أبوهما، وفي ذلك دلالة على أنّ الله -تعالى- يتكفّل بحفظ ذريّة العبد الصالح، وقد ختم الخضر حديثه مع موسى -عليه السلام- بأنّ كل ما فعله لم يكن إلّا بأمر الله -تعالى-قال -عزّ وجلّ-: (وَأَمَّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَينِ يَتيمَينِ فِي المَدينَةِ وَكانَ تَحتَهُ كَنزٌ لَهُما وَكانَ أَبوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغا أَشُدَّهُما وَيَستَخرِجا كَنزَهُما رَحمَةً مِن رَبِّكَ وَما فَعَلتُهُ عَن أَمري ذلِكَ تَأويلُ ما لَم تَسطِع عَلَيهِ صَبرًا).