من هو أوَّل مؤذن للصلاة في الإسلام؟
يقدّم المقال تعريفًا بأوّل مؤذّن في الإسلام، الصحابيّ بلال بن رباح رضي الله عنه
منذ فجر الإسلام، كان لنداء الصلاة مكانة عظيمة في قلوب المسلمين، فهو الدعوة اليومية التي تجمعهم لعبادة الله، ومع بداية تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، اختير أوَّل مؤذن ليرفع الأذان بصوته العذب، معلنًا دخول وقت الصلاة، ومسجّلًا اسمه في التاريخ الإسلامي كأوَّل من نادى المسلمين، وجاء هذا الإختيار تقديرًا لإيمانه العميق وثباته على العقيدة رغم ما لاقاه من أذى وتعذيب في سبيل الله، ليصبح صوته الخاشع علامة فارقة تذكّر المسلمين في كل زمان ومكان بأهمية الصلاة، وترسّخ في وجدان الأمة صورة أول مؤذن وهو يرفع النداء فوق منارة المسجد النبوي، إيذانًا بعهد جديد من العبادة والنور، بلال بن رباح أوَّل مؤذن في الإسلام تعرَّف على سيرته وصفاته ولماذا أُختير من بين صفوة الناس ليكون أوَّل مؤذن للإسلام؟
من هو بلالُ بنُ رَبَاح؟
بلالُ بنُ رباح هو بلال بن رباح القُرشيّ التيميّ -رضي الله عنه- مولى أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وأُمّهُ حمامة، ويُكنى بأبي عبد الرحمن، أبي عبد الكريم، أبي عمرو، أبي عبدالله، وهو مواليد السراة في أهل الشام من موالي بني تيم له أخٌ اسمهُ خالد وأُخت تُسمّى غفيرة أو عقرة وهو مولاة عُمر بن عبدالله -رضي الله عنه-، كانَ من السبّاقين للإسلام ومن المُستضعفين الذين عُذّبوا ليتركوا الإسلام حيث كان عبدًا لبني جمح من قريش فعذّبه سيده أمية بن خلف بعدما أعلن إسلامه فاشتراه أبو بكر الصدّيق وأعتقه، اشتُهر بصبره على التعذيب وبقوله { أحدٌ أحد}.
إسلام بلال بن رباح
كان بلال بن رباح أول من آمن بالله من العبيد، وكان ذلك عندما كان يرعى غنمًا لعبدالله بن جدعان، وفي ذلك الوقت رآه النبيّ محمد ﷺ وهو مُعتزلاً في الغار مع أبي بكرٍ -رضي الله عنه- فناداهُ وطلب منه اللّبن فأخبره أنّه ليس معه إلّا شاةً واحدىً فطلب منه أن يأتي بها فحلبها النبي – عليه الصلاة والسلام- وشرب منها حتى ارتوى ثم سقى أبا بكر وبلال -رضي الله عنهُما- فكانت الشاة في ذاك الوقت أنشط مما كانت عليه فدعاه النبيّ – عليه الصلاةُ والسلام- إلى الإسلام فأسلم، وبقيَ بلال بن رباح يأتي إلى نفس المكان لمدّة ثلاثة أيّام ويتعلّم الإسلام، فمرَّ أبو جهل بعبدالله بن جدعان وأخبرهم أن غنمهم أصبحت تنمو منذ ثلاثة أيّام وأنَّ بلال يذهب لمرعى ابن أبي كبشة فمنعوا بلال من الذهاب إلى المكان ودخل ذات يومٍ إلى الكعبة فالتفت فلم يرَ أحدًا من قُريش فبصق على الأصنام وقال " خاب وخسر من عبدكنّ" فعلمت قُريش بذبك فهرب بلال إلى دار سيّده عبدالله بن جدعان بعد أن طلبتهُ قريش فأخرجه عبدالله لهم وأهداه لأبي جهل وأميّة بن خلف ليفعلوا به ما يشاؤون.
بلال بن ربَاح مؤذنًا
كان بلال بن رباح مؤذنًا للنبيّ -عليه الصلاة والسلام- في حضره وسفره وهو أوَّل من أذّن في الإسلام ولما فُتحت مكة في السنة الثامنة من الهجرة أمره النبي -عليه الصلاةُ والسلام- أن يؤذن على ظهر الكعبة وذلك لجمال صوته وقيل أيضًا بأنَّه أذّن لأبي بكرٍ -رضي الله عنه- في خلافته، ولمّا توفي النبي محمد ﷺ أبي بلال أن يؤذن لأحد بعد النبي محمد ﷺ إلّا مرة واحدة ناشدوه فيها أن يؤذّن فأذّن حتى بلغ قوله "أشهد أنَّ محمدًا رسول الله" فأجهش بالبكاء وما استطاع أن يُتم الأذان، وقيل أنّه أذّن لِعُمر في الشّام مرةً واحدةً ورأى بلال النبيّ محمد ﷺ في منامه فرجع إلى قبره في المدينة وبكى عنده وجاءه الحسن والحُسين ليؤذّن لهما فصعد إلى سطحٍ وأذّن وبدأ الناس بالبكاء من صوته ولتذكّرهم لرسول الله.
ما هو السبب الذي جعل النبيّ محمد ﷺ يختار بلال بن رباح ليكون أوَّل مؤذن في الإسلام؟
يُمكن القول بأنَّ أحد الأسباب التي جعلت النبيّ محمد ﷺ يختار بلال بن رباح هو صوته الفريد والعذب، فكان صاحب صوت قويّ يشدّ الإنتباه ويُلامس القلوب، لكنَّ المسألة أيضًا لم تكن مُجرد صوت جميل قوي، بل كان الإختيار نابعًا من رسالة واضحة للمُجتمع فحواها أنَّ التفاضل بين البشر لا يقوم على اللون أو العرق بل يقوم على التقوى والعمل الصالح، ولا ننسى بأن نُسلّط الضور على أن بلال بن رباح كان من أوائل من آمنوا بالله من العبيد وأخلصوا له فهو كان نموذجًا للصبر والتضحية، وتعذيبه كان شاهدًا على مدى إخلاصه للدعوى.
وفاة بلال بن رباح
توفي بلال بن رباح -رضى الله عنه- في دمشق وقيل أيضًا أنه تُوفي في حلب في السنة العشرين من الهجرى وقيل في السنة الثامنة عشر من الهجرة، وفي رواية أخرى أنه توفي في دمشق ودُفن في مقبرتها عند الباب الضغير وكان عُمره ثلاثة وستّون سنة وقيل أنَّه توفير في السنة الواحدة والعشرين من الهجرة وكان يبلغ من العُمر سبعين عامًا، وفي رواية أخرى أيضًا قيل أنه توفي في دمشق في العام العشرين للهجرة وكان قد تجاوز الستّين من عمره، كما قيل بأنه توفيّ في داريًا وحُمل ودُفن في الباب الصغير وقيل بباب كيسان وهي قرية من قُرى دمشق في الغوطة ودُفن في مقبرة دمشق عند الباب الصغير.
عن سيرة بلال بن ربَاح
بلال بن رَباح كان من السابقين الأولين إلى الإسلام وكان مُستشعفًا كونه كان عبدًا لبني جُمح فعُذبَ ليترك دين الإسلام فقد قال عبدالله بن مسعود: {أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وبلال وصهيب والمقداد. فأما رسول الله ﷺ، فمنعه عمه. وأما أبو بكر فمنعه قومه. وأُخذ الآخرون، فألبسوهم أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ، فأعطوهم ما سألوا، فجاء كل رجل منهم قومه بأنطاع الأُدْم فيها الماء، فألقوهم فيه وحملوا بجوانبه إلا بلالاً. فلما كان العشي، جاء أبو جهل، فجعل يشتم سمية ويرفث. ثم طعنها، فقتلها فهي أول شهيد استشهد في الإسلام، إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله حتى ملّوه فجعلوا في عنقه حبلاً، ثم أمروا صبيانهم أن يشتدوا به بين أخشبي مكة، فجعل بلال يقول: أحدٌ، أحد}، وفي رواياتٍ أُخرى، رُوي عامر الشعبيّ أن موالي بلال من بني جمح كانوا يضجعونه على بطنه ويقولون له { قُل دينك اللات والعُزى} وكان الذي يُعذبه أمية بن خلف فيخرج به إذا حميت الظهيره فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرى العظيمة على صدره ثم يقول: «لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد»، فيأبى بلال ويقول: «ربي الله، أحدٌ أحد، ولو أعلم كلمة أحفظ لكم منها لقُلتُها»، فمر أبو بكر الصديق بهم، فاشتراه منهم لما أيسوا أن يردّوه عن دين الإسلام، فاشتراه منهم بأربعين أوقية من فضة، وقيل بسبع أواق من فضة، وقيل بخمس، وقيل بتسع أواق. ثم أعتقه، وقيل اشتراه من مولاه أمية بن خلف بعبد أسود مشرك.